الشيخ عبد الغني النابلسي
219
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وما أحسن ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للصحابة رضي اللّه عنهم ألا أنبئكم ، أي أخبركم بما ، أي بأمر هو خير لكم وأفضل عند اللّه تعالى من أن تلقوا ، أي لقاءكم عدوكم يعني جنسه وهم الكافرون فتضربوا رقابهم بسيوفكم في الحرب ويضربوا أيضا رقابكم بسيوفهم ذكر اللّه « 1 » تعالى بقلوبكم وألسنتكم فإنه أفضل من ذلك كله ، لأن ضرب الرقاب قطع لتحصيل الكمال ففيه ، ضرر بأحوال القابلين لأشرف الأحوال ، وهو ذكر اللّه تعالى في الغدو والآصال . فأشار صلى اللّه عليه وسلم بالذكر إلى الإبقاء وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [ الإسراء : 44 ] . وذلك ، أي كان الأمر كما ذكر لأجل أنه ، أي الشأن لا يعلم قدر هذه النشأة ، أي الخلقة الإنسانية عند اللّه تعالى إلا من ذكر اللّه تعالى الذكر المطلوب حصوله منه وهو شهود المذكور الحق لا إله إلا اللّه ، ومتى غفل عن شهوده خرج عن ذكره لأن الذكر ضد الغفلة وهما لا يجتمعان فإنه تعالى جليس من ذكره من الناس كما ورد في الحديث : « أنا جليس من ذكرني » « 2 » . إذ الجليس مشهود للذاكر ، لأنه متى ذكره كان جليسه والجليس مشهود على كل حال ، ومن لم يكن جليسه بجانبه فإنه غائب عنه حينئذ ، والجليس حاضر لا غائب وإلا فليس بجليس ومتى لم يشاهد العبد الذاكر للحق تعالى الحق تعالى الذي هو جليسه فليس ذلك العبد بذاكر للحق تعالى ، وكل ذاكر للحق تعالى مشاهد له بالعضو منه الذي فيه الذكر ، وإن غفل العضو الآخر فإنّ ذكر اللّه تعالى سار في جميع العبد فكان عضو منه ظاهره وباطنه ذاكرا للّه تعالى مشاهد له وهو العبد الكامل في العبودية لا من ذكره للّه تعالى بلسانه خاصة وبقية أعضائه غافلة لتقييدها بعبودية غيره تعالى وهي الانفعال للغير ولو بالخاطر كانفعال أهل الدنيا للدنيا في ظواهرهم وبواطنهم من جهلهم باللّه تعالى وعدم معرفتهم به فإن الحق تعالى لا يكون في ذلك الوقت ، أي وقت الذكر باللسان خاصة إلا جليس اللسان
--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الدعاء والتكبير . . ، حديث رقم ( 1801 ) [ 1 / 666 ] ورواه الترمذي في صحيحه ، باب منه ، حديث رقم ( 3377 ) [ 5 / 459 ] ونصه : عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا : وما ذاك يا رسول اللّه قال : ذكر اللّه عز وجل . وقال معاذ بن جبل : ما عمل آدمي من عمل أنجى له من عذاب اللّه من ذكر اللّه عز وجل » . ( 2 ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ، الرجل يذكر اللّه وهو على الخلاء . . ، حديث رقم ( 1224 ) [ 1 / 108 ] .